المقريزي
183
إمتاع الأسماع
أطيب عطرك هذا يا ابن الأشرف ! وإنما كان كعب يدهن بالمسك الفتيت بالماء والعنبر حتى يتلبد في صدغيه ، وكان جعدا جميلا ، ثم مشى ساعة فعاد بمثلها حتى اطمأن إليه ، وسلت يداه في شعره ، فأخذ بقرون رأسه وقال لأصحابه : اقتلوا عدو الله ، فضربوه بأسيافهم ، فالتفت عليه فلم تغن شيئا ، ورد بعضها بعض ولحق بأبي نائلة . قال محمد بن مسلمة : فذكرت مغولا كان في سيفي فانتزعته فوضعته في سرته ثم تحاملت عليه فقططته ( 1 ) حتى انتهى إلى عانته ، فصاح عدو الله صيحة ما بقي أطم من آطام يهودي إلا أوقدت عليه نار فقال : ابن سنينة - يهودي من يهود بني حارثة وبينهما ثلاثة أميال - إني لأجد ريح دم بيثرب مسفوح وقد كان أصاب بعض القوم الحارث بن أوس بسيفه وهم يضربون كعبا ، فلكمه في رجله فلما فرغوا احتزوا رأسه ثم حملوه معهم ، ثم خرجوا يشتدون وهم يخافون من يهود الأرصاد ، حتى أخذوا على بني أمية بن زيد ، ثم على بني قريظة ، وإن نيرانهم في الآطام لعالية ، ثم على بعاث ، حتى إذا كانوا بحره العريض نزف الحارث فأبطأ عليهم فناداهم : أقرئوا رسول الله مني السلام ، فعطفوا عليه حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا ، وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي ، فلما سمع تكبيرهم بالبقيع كبر وعرف أنهم قد قتلوه . ثم انتهوا يعدون حتى وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا على باب المسجد ، فقال : أفلحت الوجوه ، فقالوا : ووجهك يا رسول الله ، ورموا برأسه بين يديه فحمد الله على قتله ، ثم أتوا بصاحبهم الحارث فتفل في جرحه فلم يؤذه ، فقال : صرخت به ولم يجفل لصوتي * ووافي طالعا من فوق قصر فعدت فقال من هذا المنادي * فقلت أخوك عباد بن بشر فقال محمد أسرع إلينا * فقد جئنا لتشكرنا وتقري وترفدنا فقد جئنا سغابا * بنصف الوسق من حب وتمر وهذه درعنا رهنا فخذها * لشهر إن وفى أو نصف شهر
--> ( 1 ) كذا في ( الأصل ) ، و ( المغازي ) ، والأولى : " فقددته " لأن القد : الشق طولا ، والقط : الشق عرضا ، قال تعالى : ( إن كان قميصه قد ) .